ابو القاسم عبد الكريم القشيري

306

لطائف الإشارات

منّ على العباد بما خلق لهم من فنون الانتفاع بثمرات النخيل كالتمر والرطب واليابس . . وغير ذلك . والرزق الحسن ما كان حلالا . ويقال هو ما أتاك من حيث لا تحتسب ، ويقال هو الذي لا منّة لمخلوق فيه ولا تبعة عليه . ويقال هو ما لا يعصى اللّه مكتسبه في حال اكتسابه . ويقال هو ما لا ينسى اللّه فيه مكتسبه . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 68 إلى 69 ] وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 ) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 69 ) أوحى إلى النحل : أراد به وحي إلهام . . ولما حفظ الأمر وأكل حلالا ، طاب مأكله وجعل ما يخرج منه شفاء للناس . ثم إن اللّه - سبحانه - عرّف الخلق أنّ التفضيل ليس من جهة القياس والاستحقاق ؛ إذ أن النحل ليس له خصوصية في القامة أو الصورة أو الزينة ، ومع ذلك جعل منه العسل الذي هو شفاء للناس . والإنسان مع كمال صورته ، وتمام عقله وفطنته ، وما اختص به الأنبياء عليهم السلام والأولياء من الخصائص جعل فيهم من الوحشة ما لا يخفى . . فأىّ فضيلة للنحل ؟ وأىّ ذنب للإنسان ؟ ليس ذلك إلا اختياره - سبحانه . ويقال إن اللّه - سبحانه - أجرى سنّته أن يخفى كلّ شئ عزيز في شئ حقير ؛